فصل: تفسير الآيات رقم (59- 60)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

عطفت جملة ‏{‏كتبنا‏}‏ على جملة ‏{‏أنزلنا التّوراة‏}‏ المائدة‏:‏ 44‏)‏‏.‏ ومناسبة عطف هذا الحكم على ما تقدّم أنّهم غيّروا أحكام القصاص كما غيّروا أحكام حدّ الزّنى، ففاضلوا بين القتلى والجرحى، كما سيأتي، فلذلك ذيّله بقوله‏:‏ ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون‏}‏، كما ذيّل الآية الدّالّة على تغيير حكم حد الزّنى بقوله‏:‏ ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏‏.‏

والكَتْب هنا مجاز في التّشريع والفرض بقرينة تعديته بحرف ‏(‏على‏)‏، أي أوجبنا عليهم فيها، أي في التّوراة مضمونَ ‏{‏أنّ النّفس بالنّفس‏}‏، وهذا الحكم مسطور في التّوراة أيضاً، كما اقتضت تعديّة فعل ‏{‏كتبنا‏}‏ بحرف ‏(‏في‏)‏ فهو من استعمال اللّفظ في حقيقته، ومجازه‏.‏

وفي هذا إشارة إلى أنّ هذا الحكم لا يستطاع جحده لأنّه مكتوب والكتابة تزيد الكلام توثّقاً، كما تقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى فاكتبوه‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏282‏)‏، وقال الحارث بن حلّزة‏:‏

وهل ينقض ما في المهارق الأهواءُ *** والمكتوب عليهم هو المصدر المستفاد من ‏(‏أنّ‏)‏‏.‏ والمصدرُ في مثل هذا يؤخذ من معنى حرف الباء الّذي هو التّعويض، أي كتبنا تعويض النّفسسِ بالنّفس، أي النّفس المقتولة بالنّفس القاتلة، أي كتبنا عليهم مساواةَ القصاص‏.‏ وقد اتّفق القرّاء على فتح همزة ‏(‏أنّ‏)‏ هنا، لأنّ المفروض في التّوراة ليس هو عين هذه الجمل ولكن المعنى الحاصل منها وهو العوضية والمساواة فيها‏.‏

وقرأ الجمهور والعينَ بالعينَ‏}‏ وما عطف عليها بالنصب عطفاً على اسم ‏(‏أنّ‏)‏‏.‏ وقرأه الكسائي بالرفع‏.‏ وذلك جائز إذا استكملت ‏(‏أنّ‏)‏ خبرها فيعتبر العطف على مجموع الجملة‏.‏

والنّفس‏:‏ الذات، وقد تقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتنسون أنفسكم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏44‏)‏‏.‏ والأذن بضمّ الهمزة وسكون الذال، وبضمّ الذال أيضاً‏.‏ والمراد بالنفس الأولى نفس المعتدى عليه، وكذلك في والعين‏}‏ الخ‏.‏

والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بالنّفس‏}‏ ونظائره الأربعة باء العوض، ومدخولات الباء كلّها أخبار ‏(‏أنّ‏)‏، ومتعلّق الجار والمجرور في كلّ منها محذوف، هو كون خاصّ يدلّ عليه سياق الكلام؛ فيقدر‏:‏ أنّ النّفس المقتولة تعوّض بنفس القاتل والعين المتلفة تعوّض بعين المتلف، أي بإتلافها وهكذا النفس متلفة بالنّفس؛ والعين مفقوءة بالعين، والأنفَ مجدوع بالأنف؛ والأذن مصلُومة بالأذن‏.‏

ولام التّعريف في المواضع الخمسة داخلة على عضو المجني عليه، ومجرورات الباء الخمسة على أعضاء الجاني‏.‏ والاقتصار على ذكر هذه الأعضاء دون غيرها من أعضاءِ الجسد كاليد والرِجل والإصبع لأنّ القطع يكون غالباً عند المضاربة بقصد قطع الرقبة، فقد ينبو السيفُ عن قطع الرّأس فيصيب بعض الأعضاء المتّصلة به من عين أو أنف أو أذن أو سنّ‏.‏ وكذلك عند المصاولة لأنّ الوجه يقابل الصائل، قال الحَريش بنُ هلال‏:‏

نعرِّض للسيوف إذا التقينا *** وُجوهاً لا تعرّض لللّطَام

وقوله‏:‏ ‏{‏والجروحَ قصاص‏}‏ أخبر بالقصاص عن الجروح على حذف مضاف، أي ذات قصاص‏.‏ وقصاص مصدر قاصّة الدَّالّ على المفاعلة، لأنّ المجنيّ عليه يقاصّ الجاني، والجاني يقاصّ المجني عليه، أي يقطع كلّ منهما التبعة عن الآخر بذلك‏.‏ ويجوز أن يكون ‏{‏قصاص‏}‏ مصدراً بمعنى المفعول، كالخلْق بمعنى المخلوق، والنَّصْب بمعنى المنصوب، أي مقصوص بعضها ببعض‏.‏ والقصاص‏:‏ المماثلة، أي عقوبة الجاني بجِراح أن يُجرح مثل الجرح الّذي جنى به عمداً‏.‏ والمعنى إذا أمكن ذلك، أي أُمِن من الزيادة على المماثلة في العقوبة، كما إذا جَرحه مأمومة على رأسه فإنَّه لا يدري حين يَضرب رأس الجاني ماذا يكون مدى الضّربة فلعلّها تقضي بموته؛ فيُنتقَل إلى الدية كلّها أو بعضها‏.‏ وهذا كلّه في جنايات العمد، فأمّا الخطأ فلم تتعرض له الآية لأنّ المقصود أنّهم لم يقيموا حكم التوراة في الجناية‏.‏

وقرأ نافع، وحمزة، وعاصم، وأبو جعفر، وخلف ‏{‏والجروح‏}‏ بالنّصب عطفاً على اسم ‏(‏أنّ‏)‏‏.‏ وقرأه ابن كثير، وابنُ عامر، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب بالرّفع على الاستئناف، لأنّه إجمال لحكم الجراح بعد ما فصّل حكم قطع الأعضاء‏.‏

وفائدة الإعلام بما شرع الله لبني إسرائيل في القصاص هنا زيادة تسجيل مخالفتهم لأحكام كتابهم، وذلك أنّ اليهود في المدينة كانوا قد دخلوا في حروب بعاث فكانت قريظة والنضير حرباً، ثمّ تحاجزوا وانهزمت قريظة، فشرطت النضير على قريظة أنّ ديّة النضيري على الضِعف من ديّة القُرظي وعلى أنّ القرظي يُقتل بالنضيري ولا يقتل النضيري بالقرظي، فأظهر الله تحريفهم لكتابهم‏.‏ وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم إلى قوله ‏{‏أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 84، 85‏]‏‏.‏ ويجوز أن يقصد من ذلك أيضاً تأييد شريعة الإسلام إذ جاءت بمساواة القصاص وأبطلت التكايُل في الدّماء الّذي كان في الجاهلية وعند اليهود‏.‏ ولا شكّ أنّ تأييد الشّريعة بشريعة أخرى يزيدها قبولاً في النّفوس، ويدلّ على أنّ ذلك الحكم مراد قديم للهتعالى، وأنّ المصلحة ملازمة له لا تختلف باختلاف الأفوام والأزمان، لأنّ العرب لم يزل في نفوسهم حرج من مساواة الشّريف الضّعيف في القصاص، كما قالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب تثأر بأخيها عبد الله بن معد يكرب‏:‏

فيَقْتُلَ جَبْراً بامرئ لم يكن له *** بَوَاءً ولكنْ لاَ تَكَايُلَ بالدّم

تريد‏:‏ رضينا بأن يُقتل الرجل الذي اسمه ‏(‏جبر‏)‏ بالمرء العظيم الّذي ليس كفؤاً له، ولكن الإسلام أبطل تكايُل الدّماء‏.‏ والتكايل عندهم عبارة عن تقدير النّفس بعدّة أنفس، وقد قدّر شيوخ بني أسد دَم حُجْرٍ والد امرئ القيس بدِيات عشرة من سادة بني أسد فأبى امرؤ القيس قبول هذا التّقدير وقال لهم‏:‏ «قد علمتم أن حُجراً لم يكن ليَبُوء به شيء» وقال مهلهل حين قَتَل بُجيرا‏:‏

«بُؤْ بشِسْع نَعْل كُليب» *** والبَواء‏:‏ الكفاء‏.‏ وقد عَدّت الآية في القصاص أشياء تكثر إصابتها في الخصومات لأنّ الرّأس قد حواها وإنَّما يقصد القاتل الرأس ابتداء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فمن تصدّق به فهو كفارة له‏}‏ هو من بقية ما أخبر به عن بني إسرائيل، فالمراد ب ‏{‏مَنْ تصدّق‏}‏ من تصدّق منهم، وضمير ‏{‏به‏}‏ عائد إلى ما دلّت عليه باء العوض في قوله ‏{‏بالنفس‏}‏ الخ، أي من تصدّق بالحقّ الذي له، أي تنازل عن العوض‏.‏ وضمير ‏{‏له‏}‏ عائد إلى ‏{‏من تصدّق‏}‏‏.‏ والمراد من التصدّق العفو، لأنّ العفو لمّا كان عن حقّ ثابت بيد مستحقّ الأخذ بالقصاص جُعل إسقاطه كالعطيّة ليشير إلى فرط ثوابه، وبذلك يتبيّن أن معنى ‏{‏كفّارة له‏}‏ أنّه يكفّر عنه ذنوباً عظيمة، لأجل ما في هذا العفو من جلب القلوب وإزالة الإحن واستبقاء نفوس وأعضاء الأمّة‏.‏

وعاد فحذّر من مخالفة حكم الله فقال‏:‏ ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون‏}‏ لينبّه على أنّ التّرغيب في العفو لا يقتضي الاستخفاف بالحكم وإبطال العمل به لأنّ حكم القصاص شُرع لحكم عظيمة‏:‏ منها الزجر، ومنها جبر خاطر المعتدى عليه، ومنها التفادي من ترصّد المعتدى عليهم للانتقام من المعتدين أو من أقوامهم‏.‏ فإبطال الحكم بالقصاص يعطّل هذه المصالح، وهْو ظلم، لأنّه غمص لحقّ المعتدى عليه أو ولِيّه‏.‏ وأمّا العفو عن الجاني فيحقّق جميع المصالح ويزيد مصلحة التحابب لأنّه عن طيب نفس، وقد تغشى غباوة حكّام بني إسرائيل على أفهامهم فيجعلوا إبطال الحكم بمنزلة العفو، فهذا وجه إعادة التّحذير عقب استحباب العفو‏.‏ ولم ينبّه عليه المفسّرون‏.‏ وبه يتعيّن رجوع هذا التّحذير إلى بني إسرائيل مثل سابقه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون‏}‏ القول فيه كالقول في نظيره المتقدّم‏.‏ والمراد بالظّالمين الكافرون لأنّ الظلم يطلق على الكفر فيكون هذا مؤكّداً للّذي في الآية السابقة‏.‏ ويحتمل أنّ المراد به الجور فيكون إثبات وصف الظلم لزيادة التشنيع عليهم في كفرهم لأنّهم كافرون ظالمون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 47‏]‏

‏{‏وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏46‏)‏ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدى ونور‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏ انتقالاً إلى أحوال النّصارى لقوله‏:‏ ‏{‏وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولشك هم الفاسقون‏}‏، ولبيان نوع آخر من أنواع إعراض اليهود عن الأحكام الّتي كتبها الله عليهم، فبعد أن ذكر نوعين راجعين إلى تحريفهم أحكام التّوراة‏:‏ أحدهما‏:‏ ما حرّفوه وتردّدوا فيه بعد أن حرّفوه فشكّوا في آخر الأمر والتجأوا إلى تحكيم الرّسول؛ وثانيهما‏:‏ ما حرّفوه وأعرضوا عن حكمه ولم يتحرّجوا منه وهو إبطال أحكام القصاص‏.‏ وهذا نوع ثالث‏:‏ وهو إعراضهم عن حكم الله بالكليّة، وذلك بتكذيبهم لما جاء به عيسى عليه السلام‏.‏

والتقفية مصدر قفّاه إذا جعله يَقفوه، أي يأتي بعده‏.‏ وفعلُه المجرّد قَفا بتخفيف الفاء ومعنى قَفاه سار نحو قفاه، والقفا الظهر، أي سار وراءه‏.‏ فالتقفية الإتْباع متشقّة من القفا، ونظيره‏:‏ تَوجَّه مشتقّاً من الوجه، وتعقّب من العقب‏.‏ وفعل قفّى المشدّد مضاعف قفا المخفّف، والأصل في التضعيف أن يفيد تعديّة الفعل إلى مفعول لم يكن متعدّياً إليه، فإذا جعل تضعيف ‏{‏قفّينا‏}‏ هنا معدّياً للفعل اقتضى مفعولين‏:‏ أوّلهما‏:‏ الّذي كان مفعولاً قبل التّضعيف، وثانيهما‏:‏ الّذي عدّي إليه الفعل، وذلك على طريقة باب كَسَا؛ فيكون حقّ التّركيب‏:‏ وقفَّيناهم عيسى ابن مريم، ويكون إدخال الباء في ‏{‏بعيسى‏}‏ للتّأكيد، مثل ‏{‏وامسحوا برءوسكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏، وإذا جعل التّضعيف لغير التّعديّة بل لمجرّد تكرير وقوع الفعل، مثل جَوّلت وطوّفت كان حقّ التّركيب‏:‏ وقفّيناهم بعيسى ابن مريم‏.‏ وعلى الوجه الثّاني جرى كلام «الكشاف» فجعل باء ‏{‏بعيسى‏}‏ للتعدية‏.‏ وعلى كلا الوجهين يكون مفعول ‏{‏قفّينا‏}‏ محذوفاً يدلّ عليه قوله ‏{‏على آثارهم‏}‏ لأنّ فيه ضمير المفعول المحذوف، هذا تحقيق كلامه وسلّمه أصحاب حواشيه‏.‏

وقوله ‏{‏على آثارهم‏}‏ تأكيد لمدلول فعل ‏{‏قفّينا‏}‏ وإفادة سرعة التقفية‏.‏ وضمير ‏{‏آثارهم‏}‏ للنّبيئين والرّبانيين والأحبار‏.‏ وقد أرسل عيسى على عقب زكرياء كافِل أمّه مريم ووالدِ يحيى‏.‏ ويجوز أن يكون معنى ‏{‏على آثارهم‏}‏ على طريقتهم وهديهم‏.‏ والمصدّق‏:‏ المخبر بتصديق مخبر، وأريد به هنا المؤيّدُ المقرّر للتّوراة‏.‏

وجَعَلها ‏{‏بين يديه‏}‏ لأنّها تقدّمتْه، والمتقدّم يقال‏:‏ هو بين يدي من تقدّم‏.‏ و‏{‏من التّوراة‏}‏ بيان ‏{‏لمَا‏}‏‏.‏ وتقدّم الكلام على معنى التّوراة والإنجيل في أوّل سورة آل عمران‏.‏

وجملة ‏{‏فيه هدى ونور‏}‏ حال‏.‏ وتقدّم معنى الهُدى والنّور‏.‏

و ‏{‏مصدّقاً‏}‏ حال أيضاً من الإنجيل فلا تكرير بينها وبين قوله ‏{‏بعيسى ابن مريم مصدّقاً‏}‏ لاختلاف صاحب الحال ولاختلاف كيفية التّصديق؛ فتصديق عيسى التّوراةَ أمره بإحياء أحكامها، وهو تصديق حقيقي؛ وتصديق الإنجيل التّوراة اشتماله على ما وافق أحكامَها فهو تصديق مجازي‏.‏ وهذا التّصديق لا ينافي أنّه نَسخَ بعض أحكام التّوراة كما حكى الله عنه

‏{‏ولأحِلّ لكم بعض الّذي حرّم عليكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 50‏]‏، لأنّ الفعل المثبَت لا عموم له‏.‏

والموعظة‏:‏ الكلام الّذي يلِين القلب ويَزجر عن فعل المنهيات‏.‏

وجملة ‏{‏وليحكم‏}‏ معطوفة على ‏{‏آتيناه‏}‏‏.‏ وقرأ الجمهور ‏{‏ولْيحكم‏}‏ بسكون اللاّم وبجزم الفعل على أنّ اللام لام الأمر‏.‏ ولا شكّ أنّ هذا الأمر سابق على مجيء الإسلام، فهو ممّا أمر الله به الّذين أرسل إليهم عيسى من اليهود والنّصارى، فعلم أنّ في الجملة قولاً مقدّراً هو المعطوف على جملة ‏{‏وآتيناه الإنجيل‏}‏، أي وآتيناه الإنجيل الموصوف بتلك الصّفات العظيمة، وقلنا‏:‏ ليحكم أهل الإنجيل، فيتمّ التّمهيد لقوله بعده ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله‏}‏، فقرائن تقدير القول مُتظافِرة من أمور عدّة‏.‏

وقرأ حمزة بكسر لام ‏{‏ليحكم‏}‏ ونصب الميم على أنّ اللام لام كي للتّعليل، فجملة ‏{‏ليحكم‏}‏ على هذه القراءة معطوفة على قوله ‏{‏فيه هدى‏}‏ الخ، الّذي هو حال، عُطفتتِ العلّة على الحال عطفاً ذِكرياً لا يشرِّك في الحكم لأنّ التّصريح بلام التّعليل قرينة على عدم استقامة تشريك الحكم بالعطف فيكون عطفه كعطف الجمل المختلفة المعنى‏.‏ وصاحب «الكشاف» قدّر في هذه القراءة فعلاً مَحذوفاً بعد الواو، أي وآتيناه الإنجيل، دلّ عليه قوله قبله ‏{‏وآتيناه الإنجيل‏}‏، وهو تقدير معنى وليس تقدير نظم الكلام‏.‏

والمراد بالفاسقين الكافرون، إذ الفسق يطلق على الكفر، فتكون على نحو ما في الآية الأولى‏.‏ ويحتمل أنّ المراد به الخروج عن أحكام شرعهم سواء كانوا كافرين به أم كانوا معتقدين ولكنّهم يخالفونه فيكون ذمّاً للنصارى في التّهاون بأحكام كتابهم أضعفَ من ذمّ اليهود‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ‏(‏48‏)‏‏}‏

جالت الآيات المتقدّمة جولة في ذكر إنزال التّوراة والإنجيل وآبت منها إلى المقصود وهو إنزال القرآن؛ فكان كردّ العجز على الصّدر لقوله‏:‏ ‏{‏يأيها الرسول لا يُحزنك الّذين يسارعون في الكفر‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 41‏]‏ ليبيّن أنّ القرآن جاء نسخاً لما قبله، وأنّ مؤاخذة اليهود على ترك العمل بالتّوراة والإنجيل مؤاخذة لهم بعملهم قبل مجيء الإسلام، وليعلمهم أنّهم لا يطمعون من محمّد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بينهم بغير ما شرعه الله في الإسلام، فوقْعُ قوله‏:‏ ‏{‏وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ‏}‏ إتماماً لترتيب نزول الكُتب السماويّة، وتمهيداً لقوله‏:‏ ‏{‏فاحْكم بينهم بما أنزل الله‏}‏‏.‏ ووقع قوله‏:‏ ‏{‏فاحكم بينهم بما أنزل الله‏}‏ موقع التّخلّص المقصود، فجاءت الآيات كلّها منتظمة متناسقة على أبدع وجه‏.‏

والكتاب الأوّل القرآن، فتعْريفه للعهد‏.‏ والكتاب الثّاني جنس يشمل الكتب المتقدّمة، فتعريفه للجنس‏.‏ والمُصدّق تقدّم بيانه‏.‏

والمهيمن الأظهر أنّ هاءه أصلية وأنّ فعله بوزن فيْعَل كسَيْطَر، ولكن لم يسمع له فعل مجرّد فلم يسمع هَمَن‏.‏

قال أهل اللّغة لا نظير لهذا الفعل إلاّ هَيْنَم إذا دعا أو قرأ، وبيقر إذا خرَج من الحِجاز إلى الشّام، وسيطر إذا قَهر‏.‏ وليس له نظير في وزن مفيعل إلاّ اسم فاعل هذه الأفعال، وزادوا مُبيطر اسم طبيب الدّواب، ولم يسمع بَيْطَر ولكن بَطَر، ومُجيمر اسم جبل، ذكره امرؤ القيس في قوله‏:‏

كأنّ ذرى رأس المُجَيْمِر غُدوة *** من السيل والغثاء فلكة مغزل

وفسّر المهيمن بالعالي والرقيب، ومن أسمائه تعالى المهيمن‏.‏

وقيل‏:‏ المهيمن مشتقّ من أمِن، وأصله اسم فاعل من آمنَه عليه بمعنى استحفظه به، فهو مجاز في لازم المعنى وهو الرقابة، فأصله مُؤَأْمِن، فكأنّهم راموا أن يفرّقوا بينه وبين اسم الفاعل من آمَن بمعنى اعتقد وبمعنى آمنه، لأنّ هذا المعنى المجازي صار حقيقة مستقلّة فقلبوا الهمزة الثّانية ياء وقلبوا الهمزة الأولى هاء، كما قالوا في أراق هَراق، فقالوا‏:‏ هَيْمَن‏.‏

وقد أشارت الآية إلى حالتي القرآن بالنّسبة لما قبله من الكتب، فهو مؤيّد لبعض ما في الشّرائع مُقرّر له من كلّ حكم كانت مصلحته كلّيّة لم تختلف مصلحته باختلاف الأمم والأزمان، وهو بهذا الوصف مُصَدّق، أي مُحقّق ومقرّر، وهو أيضاً مبطل لبعض ما في الشّرائع السالفة وناسخ لأحكام كثيرة من كلّ ما كانت مصالحه جزئيّة مؤقّتة مراعى فيها أحوال أقوام خاصّة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فاحكم بينهم بما أنزل الله‏}‏ أي بما أنزل الله إليك في القرآن، أو بما أوحاه إليك، أو احكم بينهم بما أنزل الله في التّوراة والإنجيل ما لم ينسخه اللّهُ بحكم جديد، لأنّ شرع من قبلنا شرع لنا إذا أثبت الله شرعه لِمَنْ قبلنا‏.‏ فحكم النّبيء على اليهوديين بالرجم حكم بما في التّوراة، فيحتمل أنّه كان مؤيّداً بالقرآن إذا كان حينئذٍ قد جَاء قوله‏:‏ «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما»‏.‏

ويحتمل أنّه لم يؤيّد ولكن الله أوحى إلى رسوله أنّ حكم التّوراة في مثلهما الرجم، فحكم به، وأطلع اليهود على كتمانهم هذا الحكم‏.‏ وقد اتّصل معنى قوله‏:‏ ‏{‏فاحكم بينهم بما أنزل الله‏}‏ بمعنى قوله‏:‏ ‏{‏وإن حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 42‏]‏؛ فليس في هذه الآية ما يقتضي نسخ الحكم المفاد من قوله‏:‏ ‏{‏فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 42‏]‏، ولكنه بيان سمّاه بعضُ السلف باسم النسخ قبل أن تنضبط حدود الأسماء الاصطلاحيّة‏.‏

والنّهي عن اتّباع أهوائهم، أي أهواء اليهود حين حكّموه طامعين أن يَحكم عليهم بما تَقَرّر من عوائِدهم، مقصود منه النّهي عن الحكم بغير حكم الله إذا تحاكموا إليه، إذ لا يجوز الحكم بغيره ولو كان شريعة سابقة، لأنّ نزول القرآن مهيمناً أبطل ما خالفه، ونزولَه مصدّقاً أيَّد ما وافقه وزكّى ما لم يخالفه‏.‏

والرسول لا يجوز عليه أن يحكم بغير شرع الله، فالمقصود من هذا النّهي‏:‏ إمَّا إعلان ذلك ليعلمه النّاس وييأس الطّامعون أن يحكم لهم بما يشتهون، فخطاب النّبيء صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏{‏ولا تتّبع أهواءهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 49‏]‏ مراد به أن يتقرّر ذلك في علم النّاس، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لئنْ أشركت ليحبَطنّ عملك‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 65‏]‏‏.‏ وإمَّا تبيين الله لرسوله وجهَ ترجيح أحد الدليلين عند تعارض الأدلّة بأن لا تكون أهواء الخصوم طرُقاً للترجيح، وذلك أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام لشدّة رغبته في هُدى النّاس قد يتوقّف في فصل هذا التّحكيم، لأنّهم وعَدوا أنّه إن حكم عليهم بما تقرّر من عوائدهم يؤمنون به‏.‏ فقد يقال‏:‏ إنّهم لمّا تراضَوا عليه لِم لا يُحملون عليه مع ظهور فائدة ذلك وهو دخولهم في الإسلام، فبيّن الله له أنّ أمور الشّريعة لا تهاون بها، وأنّ مصلحةَ احترام الشّريعة بين أهلها أرجحُ من مصلحة دخول فريق في الإسلام، لأنّ الإسلام لا يليق به أن يكون ضعيفاً لمريديه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏يمُنّون عليكَ أنْ أسلموا قل لا تُمُنّوا عليّ إسلامَكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 17‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لكلَ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً‏}‏ كالتعليل للنّهي، أي إذا كانت أهواؤهم في متابعة شريعتهم أو عوائدهم فدعهم وما اعتادوه وتمسَّكوا بشرعكم‏.‏‏.‏

والشرعة والشريعة‏:‏ الماء الكثير من نهر أو واد‏.‏ يقال‏:‏ شريعة الفرات‏.‏ وسمّيت الديانة شريعة على التشبيه، لأنّ فيها شفاء النّفوس وطهارتَها‏.‏ والعرب تشبّه بالماء وأحواله كثيراً، كما قدمناه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَعَلِمه الّذين يستنبطونه منهم في سورة النساء ‏(‏83‏)‏‏.‏

والمنهاج‏:‏ الطريق الواسع، وهو هنا تخييل أريد به طريق القوم إلى الماء، كقول قيس بن الخطيم‏:‏

وأتبعت دلوي في السماح رِشاءها *** فذكر الرشاء مجرّد تخييل‏.‏ ويصحّ أن يجعل له رديف في المشبَّه بأن تشبّه العوائد المنتزعة من الشّريعة، أو دلائل التّفريع عن الشريعة، أو طرق فهمها بالمنهاج الموصّل إلى السماء‏.‏

فمنهاج المسلمين لا يخالف الاتّصال بالإسلام، فهو كمنهاج المهتدين إلى الماء، ومنهاج غيرهم منحرف عن دينهم، كما كانت اليهود قد جعلت عوائد مخالفة لشريعتهم، فذلك كالمنهاج الموصّل إلى غير المورود‏.‏ وفي هذا الكلام إبهام أريد به تنبيه الفريقين إلى الفرْق بين حاليهما وبالتّأمّل يظهر لهم‏.‏

وقوله‏:‏ ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة‏}‏‏.‏ الجعل‏:‏ التقدير، وإلاّ فإنّ الله أمر النّاس أن يكونوا أمّة واحدة على دين الإسلام، ولكنّه رتّب نواميس وجبلاّت، وسبَّب اهتداء فريق وضلال فريق، وعلم ذلك بحسب ما خلق فيهم من الاستعداد المعبّر عنه بالتّوفيق أو الخذلان، والميللِ أو الانصراففِ، والعزم أو المكابرة‏.‏ ولا عذر لأحد في ذلك، لأنّ علم الله غير معروف عندنا وإنّما ينكشف لنا بما يظهر في الحادثات‏.‏

والأمّة‏:‏ الجماعة العظيمة الّذين دينهم ومعتقدهم واحد، هذا بحسب اصطلاح الشّريعة‏.‏ وأصل الأمّة في كلام العرب‏:‏ القوم الكثيرون الّذين يرجعون إلى نسب واحد ويتكلّمون بلسان واحد، أي لو شاء لخلقكم على تقدير واحد، كما خلق أنواع الحيوان غير قابلة للزّيادة ولا للتطوّر من أنفسها‏.‏

ومعنى ‏{‏ليبلوكم فيما آتاكم‏}‏ هو ما أشرنا إليه من خلق الاستعداد ونحوه‏.‏ والبلاء‏:‏ الخبرة‏.‏ والمراد هنا ليظهر أثر ذلك للنّاس، والمرادُ لازم المعنى على طريق الكناية، كقول إياس بن قبيصة الطائي‏:‏

وأقبلتُ والخطيّ يخطر بيننا *** لأعْلَمَ مَن جَبَانُهَا مِن شجاعها

لم يرد لأعلم فقط ولكن أراد ليظهر لي وللنّاس‏.‏ ومعناه أنّ الله وَكَل اختيار طرق الخير وأضدادها إلى عقول النّاس وكسبهم حكمة منه تعالى ليتسابَق النّاس إلى إعمال مواهبهم العقليّة فتظهر آثار العلم ويزداد أهل العلم علماً وتقام الأدلّة على الاعتقاد الصّحيح‏.‏ وكلّ ذلك يظهر ما أودعه الله في جبلّة البشر من الصلاحيّة للخير والإرشاد على حسب الاستعداد، وذلك من الاختبار‏.‏ ولذلك قال ‏{‏ليبلوكم فيما آتاكم‏}‏، أي في جميع ما آتاكم من العقل والنّظر‏.‏ فيظهر التّفاضل بين أفراد نوع الإنسان حتّى يَبلغ بعضُها درجاتتٍ عالية، ومن الشرائع الّتي آتاكموها فيظهر مقدارُ عملكم بها فيحصل الجزاء بمقدار العمل‏.‏

وفرّع على ‏{‏ليبلوكم‏}‏ قوله‏:‏ ‏{‏فاستبقوا الخيرات‏}‏ لأنّ بذلك الاستباق يكون ظهور أثر التّوفيق أوضَح وأجلى‏.‏

والاستباق‏:‏ التسابق، وهو هنا مجاز في المنافسة، لأنّ الفاعل للخير لا يمنع غيره من أن يفعل مثل فعله أو أكثر، فشابه التّسابق‏.‏ ولتضمين فعل ‏{‏استبقوا‏}‏ بمعنى خذوا، أو ابتدروا، عدّي الفعل إلى ‏{‏الخيرات‏}‏ بنفسه وحقّه أن يعدّى بإلى، كقوله ‏{‏سَابقوا إلى مغفرة من ربّكم‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 21‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون‏}‏ أي من الاختلاف في قبول الدّين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏

‏{‏وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

يجوز أن يكون قوله ‏{‏وأن احكم‏}‏ معطوفاً عطفَ جملة على جملة، بأن يجعل معطوفاً على جملة ‏{‏فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏، فيكون رجوعاً إلى ذلك الأمر لتأكيده، وليبنى عليه قوله‏:‏ ‏{‏واحْذَرْهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك‏}‏ كما بُني على نظيره قوله‏:‏ ‏{‏لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏ وتكُون ‏(‏أنْ‏)‏ تفسيرية‏.‏ و‏(‏أنْ‏)‏ التفسيريّة تفيد تقويّة ارتباط التّفسير بالمفسَّر، لأنّها يمكن الاستغناء عنها، لصحّة أن تقول‏:‏ أرسلتُ إليه افْعَل كذا، كما تقول‏:‏ أرسلت إليه أنْ افعَلْ كذا‏.‏ فلمّا ذكر الله تعالى أنّه أنزل الكتاب إلى رسوله رتّب عليه الأمر بالحكم بما أنزل به بواسطة الفاء فقال‏:‏ ‏{‏فاحكم بينهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏، فدلّ على أنّ الحكم بما فيه هو من آثار تنزيله‏.‏ وعطَف عليه ما يدلّ على أنّ الكتاب يأمر بالحكم بما فيه بما دلّت عليه ‏(‏أنْ‏)‏ التفسيرية في قوله‏:‏ ‏{‏وأنْ احكم بينهم بما أنزل الله‏}‏، فتأكَّد الغرض بذِكْره مرّتين مع تفنّن الأسلوب وبداعته، فصار التّقدير‏:‏ وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ أنْ احكم بينهم بما أنزل الله فاحكم بينهم به‏.‏ وممّا حسَّن عطفَ التّفسير هنا طولُ الكلام الفاصِل بين الفعل المفسَّر وبين تفسيره‏.‏ وجعله صاحب «الكشاف» من عطف المفردات‏.‏ فقال‏:‏ عُطف ‏{‏أن احكم‏}‏ على ‏{‏الكِتاب‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏وأنزلنا إليك الكتاب‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏ كأنّه قيل‏:‏ وأنزلنا إليك أنْ احْكُم‏.‏ فجعل ‏(‏أنْ‏)‏ مصدريّة داخلة على فعل الأمر، أي فيكون المعنى‏:‏ وأنزلنا إليك الأمر بالحكم بما أنزل الله كما قال في قوله‏:‏ ‏{‏إنّا أرسلنا نُوحاً إلى قومه أن أنذر قومك‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 1‏]‏، أي أرسلناه بالأمر بالإنذار، وبيّن في سورة يونس ‏(‏105‏)‏ عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن أقم وجهك للدّين حنيفاً‏}‏ أنّ هذا قول سيبويه إذ سوّغ أن توصل ‏(‏أنْ‏)‏ المصدريّة بفعل الأمر والنّهي لأنّ الغرض وصلها بما يكون معه معنى المصدر، والأمرُ والنّهي يدلاّن على معنى المصدر، وعلّله هنا بقوله‏:‏ لأنّ الأمر فعل كسائر الأفعال‏.‏ والحملُ على التفسيرية أوْلَى وأَعرب، وتكون ‏(‏أنْ‏)‏ مقحمة بين الجملتين مفسّرة لفعل أنْزَل‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏فاحكم بينهم بما أنزل الله‏}‏؛ فإنّ ‏{‏أنزل‏}‏ يتضمّن معنى القول فكان لحرف التّفسير موقع‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تتّبع أهواءهم‏}‏ هو كقوله قبلَه ‏{‏ولا تتّبع أهواءهم عمّا جاءك من الحقّ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏‏.‏

وقولُه‏:‏ ‏{‏واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك‏}‏ المقصود منه افتضاح مكرهم وتأييسهم ممّا أمَّلوه، لأنّ حذر النّبيء صلى الله عليه وسلم من ذلك لا يحتاج فيه إلى الأمر لعصمته من أن يخالف حكم الله‏.‏

ويجوز أن يكون المقصود منه دحض ما يتراءى من المصلحة في الحكم بين المتحاكمين إليه من اليهود بعوائدهم إن صحّ ما روي من أنّ بعض أحبارهم وعدوا النّبيء بأنّه إن حكم لهم بذلك آمنوا به واتّبعتهم اليهود اقتداء بهم، فأراه الله أنّ مصلحة حرمة أحكام الدين ولو بينَ غير أتباعه مقدّمة على مصلحة إيمان فريق من اليهود، لأجل ذلك فإنّ شأن الإيمان أن لا يقاوِل النّاس على اتّباعه كما قدّمناه آنفاً‏.‏

والمقصود مع ذلك تحذير المسلمين من توهّم ذلك‏.‏

ولذلك فرّع عليه قوله‏:‏ ‏{‏فإن تولّوا‏}‏، أي فإن حكمت بينهم بما أنزل الله ولم تتّبع أهواءهم وتولّوا فاعلم، أي فتلك أمارة أنّ الله أراد بهم الشّقاء والعذاب ببعض ذنوبهم وليس عليك في تولّيهم حرج‏.‏ وأراد ببعض الذنوب بعضاً غيرَ معين، أي أنّ بعض ذنوبهم كافية في إصابتهم وأنّ تولّيهم عن حكمك أمارة خذلان الله إيّاهم‏.‏

وقد ذيّله بقوله‏:‏ ‏{‏وإنّ كثيراً من النّاس لفاسقون‏}‏ ليَهُونَ عنده بقاؤهم على ضلالهم إذ هو شنشنة أكثر النّاس، أي وهؤلاء منهم فالكلام كناية عن كونهم فاسقين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏50‏]‏

‏{‏أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

فَرّعت الفاء على مضمون قوله‏:‏ ‏{‏فإن تولّوا فاعلم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 49‏]‏ الخ استفهاماً عن مرادهم من ذلك التولّي، والاستفهام إنكاري، لأنّهم طلبوا حكم الجاهليّة‏.‏ وحكم الجاهليّة هو ما تقرّر بين اليهود من تكايُل الدّماء الّذي سرى إليهم من أحكام أهل يثرب، وهم أهلُ جاهلية، فإنّ بني النضير لم يرضوا بالتساوي مع قريظة كما تقدّم؛ وما وضعوه من الأحكام بين أهل الجاهلية، وهو العدول عن الرجم الّذي هو حكم التّوراة‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏يَبغون‏}‏ بياء الغائب، والضمير عائد ل ‏{‏مَن‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏ومَنْ لم يحكم بما أنزل الله‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 47‏]‏‏.‏ وقرأ ابن عامر بتاء الخطاب على أنّه خطاب لليهود على طريقة الالتفات‏.‏

والواو في قوله‏:‏ ‏{‏ومن أحسن من الله حكماً‏}‏ واو الحال، وهو اعتراض، والاستفهام إنكاري في معنى النفي، أي لا أحسن منه حكماً‏.‏ وهو خطاب للمسلمين، إذ لا فائدة في خطاب اليهود بهذا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لقوم يوقنون‏}‏ اللام فيه ليست متعلّقة ب ‏{‏حكماً‏}‏ إذ ليس المراد بمدخولها المحكومَ لهم، ولا هي لام التّقوية لأنّ ‏{‏لقوم يوقنون‏}‏ ليس مفعولاً ل ‏{‏حُكماً‏}‏ في المعنى‏.‏ فهذه اللامُ تُسمّى لام البيان ولام التبيين، وهي الّتي تدخل على المقصود من الكلام سواء كان خبراً أم إنشاء، وهي الواقعة في نحو قولهم‏:‏ سَقْيَاً لك، وَجَدْعاً له، وفي الحديث «تبّاً وسُحقاً لمن بَدّل بَعْدي»، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هيهات هيهات لِما توعدون‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 36‏]‏ ‏{‏حاش لله‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 51‏]‏‏.‏ وذلك أنّ المقصود التّنبيه على المراد من الكلام‏.‏ ومنه قول تعالى عن زليخا ‏{‏وقالت هيتَ لك‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 23‏]‏ لأنّ تهيّؤَها له غريب لا يخطر ببال يوسف فلا يدري ما أرادت فقالت له ‏{‏هيت لك‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 23‏]‏، إذا كان ‏(‏هيت‏)‏ اسمَ فِعْللِ مُضي بمعنى تهيّأتُ، ومثل قوله تعالى هنا‏:‏ ‏{‏ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون‏}‏‏.‏ وقد يكون المقصود معلوماً فيخشى خفاؤه فيؤتى باللام لزيادة البيان نحو ‏{‏حاشَ لله‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 51‏]‏، وهي حينئذٍ جديرة باسم لام التبيين، كالداخلة إلى المواجه بالخطاب في قولهم‏:‏ سَقياً لك ورعياً، ونحوهما، وفي قوله‏:‏ ‏{‏هِيتَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 23‏]‏ اسمَ فعل أمر بمعنى تَعالَ‏.‏ وإنّما لم تجعل في بعض هذه المواضع لام تقوية، لأنّ لام التّقوية يصحّ الاستغناء عنها مع ذكر مدخولها، وَفي هذه المواضع لا يذكر مدخول اللام إلاّ معها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 53‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏51‏)‏ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ‏(‏52‏)‏ وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

تهيّأت نفوس المؤمنين لقبول النّهي عن موالاة أهل الكتاب بعد ما سمعوا من اضطراب اليهود في دينهم ومحاولتهم تضليل المسلمين وتقليبَ الأمور للرسول صلى الله عليه وسلم فأقبل عليهم بالخطاب بقوله‏:‏ ‏{‏يأيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنّصارى‏}‏ الآية، لأنّ الولاية تنبنِي على الوفاق والوئام والصّلة وليس أولئك بأهل لولاية المسلمين لبُعد ما بين الأخلاق الدّينيّة، ولإضمارهم الكَيد للمسلمين‏.‏ وجرّد النّهي هنا عن التّعليل والتّوجيه اكتفاء بما تقدّم‏.‏

والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً‏.‏ وسبب النّهي هو ما وقع من اليهود، ولكن لمّا أريد النّهي لم يُقتصر عليهم لكيلا يحسب المسلمون أنّهم مأذونون في موالاة النّصارى، فلدفع ذلك عطف النّصارى على اليهود هنا، لأنّ السبب الدّاعي لعدم الموالاة واحد في الفريقين، وهو اختلاف الدّين والنفرةُ الناشئة عن تكذيبهم رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم فالنّصارى وإن لم تجئ منهم يومئذٍ أذاة مثل اليهود فيوشك أن تجيء منهم إذا وُجد داعيها‏.‏

وفي هذا ما ينبّه على وجه الجمع بين النّهي هنا عن موالاة النّصارى وبين قوله فيما سيأتي ‏{‏وليتجِدنّ أقربهم مودّة للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 82‏]‏‏.‏ ولا شكّ أنّ الآية نزلت بعد غزوة تبوك أو قُربَهَا، وقد أصبح المسلمون مجاورين تخوم بلاد نصارى العرب‏.‏ وعن السُدّي أنّ بعض المسلمين بعْد يوم أحُد عزم أن يوالي يهودياً، وأنّ آخر عزم أن يوالي تصرانياً كما سيأتي، فيكون ذكر النّصارى غير إدماج‏.‏

وعقّبه بقوله‏:‏ ‏{‏بعضهم أولياء بعض‏}‏ أي أنّهم أجدر بولاية بعضهم بعضاً، أي بولاية كلّ فريق منهم بعض أهللِ فريقِه، لأنّ كلّ فريق منهم تتقارب أفراده في الأخلاق والأعمال فيسهل الوفاق بينهم، وليس المعنى أنّ اليهودَ أولياء النّصارى‏.‏ وتنوين ‏{‏بعضٍ‏}‏ تنوين عوض، أي أولياء بعضهم‏.‏ وهذا كناية عن نفي موالاتهم المؤمنين وعن نهي المؤمنين عن موالاة فريق منهما‏.‏

والولاية هنا ولاية المودّة والنصرة ولا علاقة لها بالميراث، ولذلك لم يقل مالك بتوريث اليهودي من النّصراني والعكس أخذاً بقول النّبيء صلى الله عليه وسلم ‏{‏لا يتوارث أهل ملّتين‏}‏‏.‏ وقال الشّافعي وأبو حنيفة بتوريث بعض أهل الملل من بعض ورأيا الكفر ملّة واحدة أخذاً بظاهر هذه الآية، وهو مذهب داوود‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ومن يتَولّهم منكم فإنّه منهم‏}‏، ‏(‏مَن‏)‏ شرطيّة تقتضي أنّ كلّ من يتولاّهم يصير واحداً منهم‏.‏ جعل ولايتهم موجّبة كونَ المتولّي منهم، وهذا بظاهره يقتضي أنّ ولايتهم دخولٌ في ملّتهم، لأنّ معنى البعضية هنا لا يستقيم إلاّ بالكون في دينهم‏.‏ ولمّا كان المؤمن إذا اعتقد عقيدة الإيمان واتّبع الرسول ولم ينافق كان مسلماً لا محالة كانت الآية بحاجة إلى التأويل، وقد تأوّلها المفسّرون بأحد تأويلين‏:‏ إمّا بحمل الولاية في قوله‏:‏ ‏{‏ومن يتولّهُم‏}‏ على الولاية الكاملة الّتي هي الرّضى بدينهم والطعنُ في دين الإسلام، ولذلك قال ابن عطيّة‏:‏ ومن تولاّهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر والخلود في النّار‏.‏

وأمّا بتأويل قوله‏:‏ ‏{‏فإنّه منهم‏}‏ على التشبيه البليغ، أي فهو كواحد منهم في استحقاق العذاب‏.‏ قال ابن عطيّة‏:‏ من تولاّهم بأفعاله من العَضْد ونحوه دون معتقدهم ولا إخلال بالإيمان فهو منهم في المقت والمذمّة الواقعة عليهم اه‏.‏ وهذا الإجمال في قوله‏:‏ ‏{‏فإنّه منهم‏}‏ مبالغة في التّحذير من موالاتهم في وقت نزول الآية، فالله لم يرض من المسلمين يومئذٍ بأن يتولّوا اليهود والنّصارى، لأنّ ذلك يلبسهم بالمنافقين، وقد كان أمر المسلمين يومئذٍ ي حيرة إذ كان حولهم المنافقُون وضعفاء المسلمين واليهود والمشركون فكان من المتعيّن لحفظ الجامعة التّجرّد عن كلّ ما تتطرّق مِنه الرّبية إليهم‏.‏

وقد اتّفق عُلماء السنّة على أنّ ما دون الرّضا بالكفر وممالاتهم عليه من الولاية لا يُوجب الخروج من الربقة الإسلاميّة ولكنّه ضلال عظيم، وهو مراتب في القُوّة بحسب قوّة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين‏.‏

وأعظم هذه المراتب القضية الّتي حدثت في بعض المسلمين من أهل غرناطة الّتي سئل عنها فقهاء غرناطة‏:‏ محمد الموّاق، ومحمد بن الأزرق، وعليّ بن داوود، ومحمد الجعدالة، ومحمد الفخار، وعليّ القلصادي، وأبو حامد بن الحسن، ومحمد بن سرحونة، ومحمد المشذّالي، وعبد الله الزليجي، ومحمد الحذام، وأحمد بن عبد الجليل، ومحمد بن فتح، ومحمد بن عبد البرّ، وأحمد البقني، عن عصابة من قُواد الأندلس، وفرسانهم لَجَأُوا إلى صاحب قشتالة ‏(‏بلاد النصارى‏)‏ بعد كائنة ‏(‏اللَّسانة‏)‏ كذا واستنصروا به على المسلمين واعتصموا بحبْل جواره وسكنوا أرض النّصارى فهل يحلّ لأحد من المسلمين مساعدتهم ولأهل مدينة أو حصن أن يأوُوهم‏.‏ فأجابوا بأنّ رُكونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم قد دخلوا به في وعيد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم‏}‏ فمن أعانهم فهو معين على معصية الله ورسوله، هذا ما داموا مصرّين على فعلهم فإن تابوا ورجعوا عمّا هم عليه من الشقاق والخلاف فالواجب على المسلمين قبولهم‏.‏

فاستِدلالهم في جوابهم بهذه الآية يدلّ على أنّهم تأوّلوها على معنى أنّه منهم في استحقاق المقت والمذمة، وهذا الّذي فعلوه، وأجاب عنه الفقهاء هو أعظمُ أنواع الموالاة بعد موالاة الكفر‏.‏ وأدنى درجات الموالاة المخالطة والملابسة في التّجارة ونحوها‏.‏ ودون ذلك ما ليس بموالاة أصلاً، وهو المعاملة‏.‏ وقد عامَل النّبيء صلى الله عليه وسلم يهود خيبر مساقاة على نخل خيبر، وقد بيّنّا شيئاً من تفصيل هذا عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يَتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏28‏)‏‏.‏

وجملة إنّ الله لا يهدي القوم الظّالمين‏}‏ تذييل للنّهي، وعموم القوم الظّالمين شمل اليهود والنّصارى، وموقع الجملة التذييلية يقتضي أنّ اليهودَ والنّصارى من القوم الظّالمين بطريق الكناية‏.‏

والمراد بالظّالمين الكافرون‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فترى الّذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم‏}‏ تفريع لحالة من موالاتهم أريد وصفها للنّبيء صلى الله عليه وسلم لأنّها وقعت في حضرته‏.‏ والمرض هنا أطلق على النفاق كما تقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏في قلوبهم مرض‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏10‏)‏‏.‏ أطلق عليه مرض لأنّه كفر مفسد للإيمان‏.‏ والمسارعة تقدّم شرحها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يحْزنك الّذين يسارعون في الكفر‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 41‏]‏‏.‏ وفي المجرور مضاف محذوف دلّت عليه القرينة، لأنّ المسارعة لا تكون في الذوات، فالمعنى‏:‏ يسارعون في شأنهم من موالاتهم أو في نصرتهم‏.‏

والقولُ الواقع في ‏{‏يقولون نَخشى‏}‏ قولُ لسان لأنّ عبد الله بن أبيّ بنَ سلول قال ذلك، حسبما رُوي عن عطيّة الحوفي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة أنّ الآية نزلت بعد وقعة بدر أوبعد وقعة أحُد وأنّها نزلت حين عزم رسول الله على قتال بني قينقاع‏.‏ وكان بنو قينقاع أحلافاً لعبد الله بن أبي بن سلول ولعُبادة بن الصامت، فلمّا رأى عبادة منزع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فقال‏:‏ يا رسول الله إنّي أبرأ إلى الله من حِلف يهود وولائهم ولا أوالي إلاّ الله ورسولَه، وكان عبد الله بن أبيّ حاضراً فقال‏:‏ أمَّا أنا فلا أبرأ من حلفهم فإنّي لا بدّ لي منهم إنّي رجل أخاف الدّوائر‏.‏

ويحتمل أن يكون قولهم‏:‏ ‏{‏نخشى أن تصيبنا دائرة‏}‏، قولاً نفسياً، أي يقولون في أنفسهم‏.‏ فالدّائرة المخشيّة هي خشية انتقاض المسلمين على المنافقين، فيكون هذا القول من المرض الّذي في قلوبهم، وعن السديّ‏:‏ أنّه لمّا وقع انهزام يوم أحُد فزع المسلمون وقال بعضهم‏:‏ نأخذ من اليهود حلفاً ليُعاضدونا إن ألمّت بنا قاصمة من قريش‏.‏ وقال رجل‏:‏ إنّي ذاهب إلى اليهود فلان فآوي إليه وأتهوّدُ معه‏.‏ وقال آخر‏:‏ إنّي ذاهب إلى فلان النّصراني بالشّام فآوي إليه وأتنصّر معه، فنزلت الآية‏.‏ فيكون المرض هنا ضعف الإيمان وقلّة الثّقة بنصر الله، وعلى هذا فهذه الآية تقدّم نزولها قبل نزول هذه السورة، فإمّا أعيد نزولها، وإمّا أمر بوضعها في هذا الموضع‏.‏

والظاهر أنّ قوله ‏{‏فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين‏}‏ يؤيّد الرواية الأولى، ويؤيّد مَحملنا فيها‏:‏ أنّ القول قول نفسيّ‏.‏

والدائرة اسم فاعل من دار إذا عَكس سيره، فالدائرة تغيّر الحال، وغلب إطلاقها على تغيّر الحال من خير إلى شرّ، ودوائر الدّهر‏:‏ نُوبه ودولُه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويتربّص بكم الدوائر‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 98‏]‏ أي تبدّل حالكم من نصر إلى هزيمة‏.‏ وقد قالوا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عليهم دائرة السَّوْء‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 6‏]‏ إنّ إضافة ‏(‏دائرة‏)‏ إلى ‏(‏السَّوْء‏)‏ إضافة بيان‏.‏ قال أبو عليّ الفارسي‏:‏ لو لم تُضف الدائرة إلى السَّوْء عرف منها معناه‏.‏ وأصل تأنيثها للمرّة ثمّ غلبت على التغيّر مُلازمة لصبغة التّأنيث‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يقول الّذين آمنوا‏}‏ قرأه الجمهور ‏{‏يقول‏}‏ بدون واو في أوّله على أنّه استئناف بياني جواب لسؤال من يسأل‏:‏ ماذا يقول الّذين آمنوا حينئذٍ‏.‏ أي إذا جاء الفتح أو أمر من قوة المسلمين ووهنَ اليهود يقول الّذين آمنوا

وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف ‏{‏ويَقول‏}‏ بالواو وبرفع ‏{‏يقول‏}‏ عطفاً على ‏{‏فعسى الله‏}‏، وقرأه أبو عمرو، ويعقوب بالواو أيضاً وبنصب ‏{‏يقول‏}‏ عطفاً على ‏{‏أن يأتي‏}‏‏.‏ والاستفهام في ‏{‏أهؤلاء‏}‏ مستعمل في التعجّب من نفاقهم‏.‏

و ‏{‏هؤلاء‏}‏ إشارة إلى طائفة مقدّرة الحصول يومَ حصول الفتح، وهي طائفة الّذين في قلوبهم مرض‏.‏ والظاهر أنّ ‏{‏الّذين‏}‏ هو الخبر عن ‏{‏هؤلاء‏}‏ لأنّ الاستفهام للتّعجب، ومحلّ العجب هو قَسمَهم أنّهم معهم، وقد دلّ هذا التعجّب على أنّ المؤمنين يظهر لهم من حال المنافقين يوم إتيان الفتح ما يفتضح به أمرهم فيعجبون من حلفهم على الإخلاص للمؤمنين‏.‏

وجَهْدُ الأيمان بفتح الجيم أقواها وأغلظها، وحقيقة الجَهد التعب والمشقّة ومنتهى الطاقة، وفِعله كمنع‏.‏ ثم أطلق على أشدِّ الفعللِ ونهاية قوّته لِمَا بَيْن الشدّة والمشقّة من الملازمة، وشاع ذلك في كلامهم ثُمّ استعمل في الآية في معنى أوْكَدِ الأيمان وأغظلها، أي أقسموا أقوى قَسَم، وذلك بالتّوكيد والتّكرير ونحو ذلك ممّا يغلّظ به اليمين عُرفاً‏.‏ ولم أر إطلاق الجَهد على هذا المعنى فيما قبلَ القرآن‏.‏ وانتصبَ ‏{‏جَهدَ‏}‏ على المفعولية المطلقة لأنّه بإضافته إلى «الأيمان» صار من نوع اليمين فكان مفعولاً مطلقاً مبيّناً للنّوع‏.‏ وفي «الكشاف» في سورة النّور جعله مصدراً بدلاً من فعله وجعل التّقدير‏:‏ أقسموا بالله يجهدون أيمانَهم جَهداً، فلمّا حذف الفعل وجعل المفعول المطلق عوضاً عنه قدّم المفعول المطلق على المفعول به وأضيف إليه‏.‏

وجملة ‏{‏حَبِطت أعمالهم‏}‏ استئناف، سواء كانت من كلام الّذين آمنوا فتكون من المحكي بالقَول، أم كانت من كلام الله تعالى فلا تكونه‏.‏ وحبطت معناه تلِفت وفسَدت، وقد تقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأولئك حبطت أعمالهم في الدّنيا والآخرة‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏217‏)‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏54‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏54‏)‏‏}‏

تقضَّى تحذيرهم من أعدائهم في الدّين، وتجنيبهم أسباب الضعف فيه، فأقبل على تنبيههم إلى أنّ ذلك حرص على صلاحهم في ملازمة الدّين والذبّ عنه، وأنّ الله لا يناله نفع من ذلك، وأنّهم لو ارتدّ منهم فريق أو نَفَر لم يضرّ الله شيئاً، وسيكون لهذا الدّين أتباع وأنصار وإن صدّ عنه من صَدّ، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم ولا يرضى لعباده الكفر‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 7‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يمنّون عليك أن أسلموا قل لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 17‏]‏‏.‏

فجملة ‏{‏يأيّها الّذين آمنوا من يرتدد منكم‏}‏ الخ معترضة بين ما قبلها وبين جملة ‏{‏إنّما وليّكم الله‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 55‏]‏، دعت لاعتراضها مناسبة الإنذار في قوله ‏{‏ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 51‏]‏‏.‏ فتعْقِيبُها بهذا الاعتراض إشارة إلى أنّ اتّخاذ اليهود والنّصارى أولياء ذريعة للارتداد، لأنّ استمرار فريق على مُوالاة اليهود والنّصارى من المنافقين وضعفاء الإيمان يخشى منه أن ينسلّ عن الإيمان فريق‏.‏ وأنبأ المتردّدين ضعفاء الإيمان بأنّ الإسلام غنيّ عنهم إن عزموا على الارتداد إلى الكفر‏.‏

وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر ‏{‏من يرتَدِدْ‏}‏ بدالين على فَكّ الإدغام، وهو أحد وجهين في مثله، وهو لغة أهل الحجاز، وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام‏.‏ وقرأ الباقون بدال واحدة مشدّدة بالإدغام، وهو لغة تميم‏.‏ وبفتححٍ على الدال فتحة تخلّص من التقاء الساكنين لخفّة الفتح، وكذلك هو مرسوم في مصحف مكّة ومصحف الكوفة ومصحف البصرة‏.‏

والارتداد مطاوع الردّ، والردّ هو الإرجاع إلى مكان أو حالة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏رُدّوها عليّ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 33‏]‏‏.‏ وقد يطلق الردّ بمعنى التّصيير ‏{‏ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 70‏]‏‏.‏ وقد لوحظ في إطلاق اسم الارتداد على الكفر بعد الإسلام ما كانوا عليه قبل الإسلام من الشرك وغيره، ثم غلب اسم الارتداد على الخروج من الإسلام ولو لم يسبق للمرتدّ عنه اتّخاذ دين قبله‏.‏

وجملة ‏{‏فسوف يأتي الله بقوم‏}‏ الخ جواب الشرط، وقد حذف منها العائد على الشرط الإسمي، وهو وعد بأنّ هذا الدّين لا يعدم أتباعاً بررة مخلصين‏.‏ ومعنى هذا الوعد إظهار الاستغناء عن الّذين في قلوبهم مرض وعن المنافقين وقلّةُ الاكتراث بهم، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لوْ خرجوا فيكم مَا زادوكم إلاّ خَبالاً‏}‏ وتطمين الرسول والمؤمنين الحقَّ بأنّ الله يعوّضهم بالمرتدِّين خيراً منهم‏.‏ فذلك هو المقصود من جواب الشرط فاستغني عنه بذكر ما يتضمّنه حتّى كان للشرط جوابان‏.‏

وفي نزول هذه الآية في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إيماء إلى ما سيكون من ارتداد كثير من العرب عن الإسلام مثل أصحاب الأسْود العَنْسي باليمن، وأصحاب طلحة بن خُويلد في بَني أسد، وأصحاب مسيلمة بننِ حبيب الحَنفي باليمامة‏.‏

ثمّ إلى ما كان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من ارتداد قبائل كثيرة مثل فزارة وغطفان وبني تَميم وكِنْدة ونحوهم‏.‏ قيل‏:‏ لم يبق إلا أهل ثلاثة مساجد‏:‏ مسجد المدينة ومسجد مكّة ومسجد ‏(‏جُؤَاثَى‏)‏ في البحرين ‏(‏أي من أهل المدن الإسلاميّة يومئذٍ‏)‏‏.‏ وقد صدق الله وعده ونصر الإسلام فأخلفه أجيالاً متأصّلة فيه قائمة بنصرته‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يأتي الله بقوم‏}‏، الإتيان هنا الإيجاد، أي يوجد أقواماً لاتّباع هذا الدّين بقلوب تحبّة وتجلب له وللمؤمنين الخير وتذود عنهم أعداءهم، وهؤلاء القوم قد يكونون من نفس الّذين ارتدّوا إذا رجعوا إلى الإسلام خالصة قلوبهم ممّا كان يخامرها من الإعراض مثل معظم قبائل العرب وسادتهم الّذين رجعوا إلى الإسلام بعد الردّة زمن أبي بكر، فإنّ مجموعهم غير مجموع الذين ارتدّوا، فصحّ أن يكونوا ممّن شمله لفظ ‏{‏بقوم‏}‏، وتحقّق فيهم الوصف وهو محبّة الله إيّاهم ومحبّتهم ربّهم ودينه، فإنّ المحبّتين تتبعان تغيّر أحوال القلوب لا تغيّر الأشخاص فإنّ عمرو بن معد يكرب الّذي كان من أكبر عصاة الردّة أصبح من أكبر أنصار الإسلام في يوم القادسيّة، وهكذا‏.‏

ودَخل في قوله ‏{‏بقوم‏}‏ الأقوام الّذين دخَلوا في الإسلام بعد ذلك مثل عرب الشام من الغساسنة، وعرب العراق ونبَطهم، وأهل فارس، والقبط، والبَربر، وفرنجة إسبانية، وصقلّيَة، وسردانية، وتخوممِ فرانسا، ومثل الترك والمغول، والتتار، والهند، والصّين، والإغريق، والرّوم، من الأمم الّتي كان لها شأن عظيم في خدمة الإسلام وتوسيع مملكته بالفتوح وتأييده بالعلوم ونشر حَضارته بين الأمم العظيمة، فكلّ أمّة أو فريق أو قوم تحقّق فيهم وصف‏:‏ ‏{‏يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يحاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم‏}‏ فهُم من القوم المنوّه بهم؛ أمَّا المؤمنون الّذين كانوا من قبل وثبتوا فأولئك أعظم شأناً وأقوى إيماناً فأتاهم المؤيّدون زَرافَات ووُحْدانا‏.‏

ومحبّة الله عبدَه رضاه عنه وتيسير الخير له، ومحبّة العبد ربّه انفعال النّفس نحوَ تعظيمه والأنس بذكره وامتثال أمره والدّفاع عن دينه‏.‏ فهي صفة تحصل للعبد من كثرة تصوّر عظمة الله تعالى ونِعمه حتّى تتمكّن من قلبه، فمنشؤها السمع والتّصوّر‏.‏ وليست هي كمحبّة استحسان الذّات، ألا ترى أنّا نحبّ النّبيء صلى الله عليه وسلم من كثرة ما نسمع من فضائله وحرصه على خيرنا في الدّنيا والآخرة، وتقوَى هذه المحبّة بمقدار كثرة ممارسة أقواله وذكر شمائله وتصرّفاته وهديه، وكذلك نحبّ الخلفاء الأربعة لكثرة ما نسْمع من حبّهم الرسول ومن بذلهم غاية النصح في خير المسلمين، وكذلك نحبّ حاتِماً لما نسمع من كرمه‏.‏ وقد قالت هند بنت عتبة امرأةُ أبي سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أهلُ خباء أحبَّ إليّ من أن يذلّوا من أهل خبائك وقد أصبحت وما أهل خباء أحبّ إلي من أنْ يعزّوا من أهل خبائك‏.‏

والأذلّة والأعزّة وصفان متقابلان وصف بهما القوم باختلاف المتعلّق بهما، فالأذلّة جمع الذليل وهو الموصوف بالذُلّ‏.‏ والذلّ بضمّ الذال وبكسرها الهوان والطاعة، فهو ضدّ العزّ ‏{‏ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 123‏]‏‏.‏ وفي بعض التّفاسير‏:‏ الذلّ بضم الذال ضد العزّ وبكسر الذال ضدّ الصعوبة، ولا يعرف لهذه التفرقة سند في اللغة‏.‏ والذليل جمعه الأذلّة، والصفة الذلّ ‏{‏واخفِض لهما جناح الذلّ من الرّحمة‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 24‏]‏‏.‏ ويطلق الذلّ على لين الجانب والتّواضع، وهو مجاز، ومنه ما في هذه الآية‏.‏ فالمراد هنا الذلّ بمعنى لين الجانب وتوطئة الكَنَف، وهو شدّة الرّحمة والسّعي للنفع، ولذلك علّق به قوله‏:‏ ‏{‏على المؤمنين‏}‏‏.‏ ولتضمين ‏{‏أذلّة‏}‏ معنى مشفقين حانين عدّي بعلى دون اللام، أو لمشاكلةِ ‏(‏على‏)‏ الثّانية في قوله‏:‏ ‏{‏على الكافرين‏}‏‏.‏

والأعزّة جمع العزيز فهو المتّصف بالعزّ، وهو القّوة والاستقلال»، ولأجل ما في طباع العرب من القوّة صار العزّ في كلامهم يدلّ على معنى الاعتداء، ففي المثل ‏(‏من عَزّ بَزّ‏)‏‏.‏ وقد أصبح الوصفان متقابلين، فلذلك قال السموأل أو الحارثي‏:‏

وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا *** عزيز وجارُ الأكثرين ذليل

وإثبات الوصفين المتقابلين للقوم صناعة عربيّة بديعية، وهي المسماة الطباق، وبلغاء العرب يغربون بها، وهي عزيزة في كلامهم، وقد جَاء كثير منها في القرآن‏.‏ وفيه إيماء إلى أن صفاتهم تُسيِّرُها آراؤهم الحصيفة فليسوا مندفعين إلى فعل مّا إلاّ عن بصيرة، وليسوا ممّن تنبعث أخلاقه عن سجية واحدة بأن يكون ليّناً في كلّ حال، وهذا هو معنى الخلق الأقوم، وهو الّذي يكون في كلّ حال بما يلائم ذلك الحال، قال‏:‏

حَلِيم إذا ما الحِلم زَيَّن أهلَه *** مع الحِلم في عين العَدُوّ مَهِيب

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 29‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يجاهدون في سبيل الله‏}‏ صفة ثالثة، وهي من أكبر العلامات الدالّة على صدق الإيمان‏.‏ والجهاد‏:‏ إظهار الجُهد، أي الطاقة في دفاع العدوّ، ونهاية الجهد التّعرّض للقتل، ولذلك جيء به على صيغة مصدر فَاعَلَ لأنّه يظهر جهده لمن يُظهر له مثله‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا يخافون لومة لائم‏}‏ صفة رابعة، وهي عدم الخوف من الملامة، أي في أمر الدّين، كما هو السياق‏.‏

واللومة الواحدة من اللَّوم‏.‏ وأريد بها هنا مطلق المصدر، كاللّوْم لأنّها لمّا وقعت في سياق النّفي فعمّت زال منها معنى الوحدة كما يزول معنى الجمع في الجمع المعمَّم بدخول ال الجنسية لأنّ ‏(‏لا‏)‏ في عموم النّفي مثل ‏(‏ال‏)‏ في عموم الإثبات، أي لا يخافون جميع أنواع اللّوم من جميع اللاّئمين إذ اللّوْم منه‏:‏ شديد، كالتقريع، وخفيف؛ واللائمون‏:‏ منهم اللاّئم المخيف، والحبيب؛ فنفى عنهم خوفَ جميع أنواع اللّوم‏.‏ ففي الجملة ثلاثة عمومات‏:‏ عُموم الفعل في سياق النّفي، وعموم المفعول، وعموم المضاف إليه‏.‏

وهذا الوصف علامة على صدق إيمانهم حتّى خالط قلوبهم بحيث لا يصرفهم عنه شيء من الإغراء واللوم لأنّ الانصياع للملام آية ضعف اليقين والعزيمة‏.‏

ولم يزل الإعراض عن ملام اللائمين علامة على الثّقة بالنّفس وأصالة الرأي‏.‏ وقد عَدّ فقهاؤنا في وصف القاضي أن يكون مستخفّاً باللاّئمَة على أحد تأويلين في عبارة المتقدّمين، واحتمال التّأويلين دليل على اعتبار كليهما شرعاً‏.‏

وجملة ‏{‏ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء‏}‏ تذييل‏.‏ واسم الاشارة إشارة إلى مجموع صفات الكمال المذكورة‏.‏

و ‏{‏واسع‏}‏ وصف بالسعة، أي عدم نهاية التّعلّق بصفاته ذات التّعلق، وتقدّم بيانه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏73‏)‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 56‏]‏

‏{‏إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ‏(‏55‏)‏ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ‏(‏56‏)‏‏}‏

جملة ‏{‏إنّما وليّكم الله ورسوله‏}‏ إلى آخرها متّصلة بجملة ‏{‏يأيّها الّذين آمنوا لا تَتّخذوا اليهود والنّصارى أولياء بعضهم أولياء بعض‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 51‏]‏ وما تفرّع عليها من قوله ‏{‏فترى الّذين في قلوبهم مرض إلى قوله فأصبحوا خاسرين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 52، 53‏]‏‏.‏ وقعت جملة ‏{‏يأيّها الّذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 54‏]‏ بين الآيات معترضة، ثُمّ اتّصل الكلام بجملة ‏{‏إنّما وليّكم الله ورسوله‏}‏‏.‏ فموقع هذه الجملة موقع التّعليل للنّهي، لأنّ ولايتهم لله ورسوله مقرّرة عندهم فمن كان اللّهُ وليّه لا تكون أعداءُ الله أولياءه‏.‏ وتفيد هذه الجملة تأكيداً للنّهي عن ولاية اليهود والنّصارى‏.‏ وفيه تنويه بالمؤمنين بأنّهم أولياء الله ورسوله بطريقة تأكيد النّفي أو النّهي بالأمر بضدّه، لأنّ قوله‏:‏ ‏{‏إنّما وليّكم الله ورسوله‏}‏ يتضمّن أمراً بتقرير هذه الولاية ودوامها، فهو خبر مستعمل في معنى الأمر، والقصر المستفاد من ‏(‏إنّما‏)‏ قصر صفة على موصوف قصراً حقيقياً‏.‏

ومعنى كون الّذين آمنوا أولياء للّذين آمنوا أنّ المؤمنين بعضُهم أولياء بعض، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 71‏]‏‏.‏ وإجراء صفتي ‏{‏يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة‏}‏ على الذين آمنوا للثناء عليهم، وكذلك جملة ‏{‏وهم راكعون‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وهم راكعون‏}‏ معطوف على الصفة‏.‏ وظاهر معنى هذه الجملة أنّها عين معنى قوله‏:‏ ‏{‏يقيمون الصّلاة‏}‏، إذ المراد ب ‏{‏راكعون‏}‏ مصلّون لا آتُون بالجزء من الصلاة المسمّى بالركوع‏.‏ فوجه هذا العطف‏:‏ إمّا بأنّ المراد بالركوع ركوع النّوافل، أي الّذين يقيمون الصّلوات الخمس المفروضة ويتقرّبون بالنوافل؛ وإمّا المرادُ به ما تدلّ عليه الجملة الإسميّة من الدوام والثّبات، أي الّذين يديمون إقامة الصّلاة‏.‏ وعقّبه بأنّهم يؤتون الزّكاة مبادرة بالتنويه بالزّكاة، كما هو دأب القرآن‏.‏ وهو الّذي استنبطه أبو بكر رضي الله عنه إذ قال‏:‏ «لأقاتلنّ مَن فرّق بين الصّلاة والزّكاة»‏.‏ ثم أثنى الله عليهم بأنّهم لا يتخلّفون عن أداء الصّلاة؛ فالواو عاطفة صفة على صفة، ويجوز أن تجعل الجملة حالاً‏.‏ ويراد بالركوع الخشوع‏.‏

ومن المفسّرين من جعل ‏{‏وهم راكعون‏}‏ حالاً من ضمير ‏{‏يُؤتون الزّكاة‏}‏‏.‏ وليس فيه معنى، إذ تؤتى الزّكاة في حالة الركوع، وركّبوا هذا المعنى على خبر تعدّدت رواياته وكلّها ضعيفة‏.‏ قال ابن كثير‏:‏ وليس يصحّ شيء منها بالكلّية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها‏.‏ وقال ابن عطيّة‏:‏ وفي هذا القول، أي الرواية، نظر، قال‏:‏ روى الحاكم وابن مردويه‏:‏ جاء ابن سَلاَم ‏(‏أي عبد الله‏)‏ ونفَر من قومه الّذين آمنوا ‏(‏أي من اليهود‏)‏ فشكوا للرّسول صلى الله عليه وسلم بُعد منازلهم ومنابذة اليهود لهم فنزلت ‏{‏إنّما وليّكم الله ورسوله‏}‏ ثمّ إنّ الرسول خرج إلى المسجد فبصرُ بسائل، فقال له‏:‏ هل أعطاك أحد شيئاً، فقال‏:‏ نعم خاتم فضّة أعطانيه ذلك القائم يصلّي، وأشار إلى عليّ، فكبّر النّبيء صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية، فتلاها رسول الله‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في أبي بكر الصديق‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في المهاجرين والأنصار‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فإنّ حزب الله هم الغالبون‏}‏ دليل على جواب الشرط بذكر علّة الجواب كأنّه قيل‏:‏ فهم الغالبون لأنّهم حزب الله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏57- 58‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏57‏)‏ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

استئناف هو تأكيد لبعض مضمون الكلام الّذي قبله، فإنّ قوله‏:‏ ‏{‏يأيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنّصارى أولياءَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 51‏]‏ تحذير من موالاة أهل الكتاب ليظهر تميّز المسلمين‏.‏ وهذه الآية تحذير من موالاة اليهود والمشركين الّذين بالمدينة، ولا مدخل للنصارى فيها، إذ لم يكن في المدينة نصارى فيهزأوا بالدّين‏.‏ وقد عدل عن لفظ اليهود إلى الموصول والصلة وهي ‏{‏الّذين اتّخذوا دينَكم هزؤاً‏}‏ الخ لما في الصلة من الإيمان إلى تعليل موجب النّهي‏.‏

والدّين هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة، فهو عنوان عقل المتديّن وروائدُ آماله وباعث أعماله، فالذي يتخذ دين امرئ هزُؤاً فقد اتّخذ ذلك المتديِّن هزؤاً ورمَقه بعين الاحتقار، إذ عَدّ أعظَمَ شيء عنده سخرية، فما دون ذلك أوْلى‏.‏ والّذي يَرمُق بهذا الاعتبار ليس جديراً بالموالاة، لأنّ شرط الموالاة التماثل في التّفكير، ولأنّ الاستهزاء والاستخفاف احتقار، والمودّة تستدعي تعظيم الودود‏.‏

وأريد بالكفار في قوله‏:‏ ‏{‏والكفار‏}‏ المشركون، وهذا اصطلاح القرآن في إطلاق لفظ الكفّار، والمراد بذلك المشركون من أهل المدينة الّذين أظهروا الإسلام نفاقاً مثل رفاعة بن زيد، وسويد بن الحارث، فقد كان بعض المسلمين يوادّهما اغتراراً بظاهر حالهما‏.‏ روي عن ابن عبّاس‏:‏ أنّ قوماً من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ كانوا إذا نادى منادي رسول الله قالوا‏:‏ صياح مثل صياح العَير، وتضاحكوا، فأنزل الله هذه الآية‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏والكفّارَ‏}‏ بالنّصب عطفاً على ‏{‏الّذين اتخذوا دينَكم‏}‏ المبيَّن بقوله‏:‏ ‏{‏من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏}‏‏.‏ وقرأ أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب ‏{‏والكفارِ‏}‏ بالخفض عطْفاً على ‏{‏الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏}‏، ومآل القراءتين واحد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واتّقوا الله إن كنتم مؤمنين‏}‏ أي احذروه بامتثال ما نهاكم عنه‏.‏ وذكر هذا الشرط استنهاض للهمّة في الانتهاء، وإلهابٌ لنفوس المؤمنين ليظهروا أنّهم مؤمنون، لأنّ شأن المؤمن الامتثال‏.‏ وليس للشرط مفهوم هنا، لأنّ الكلام إنشاء ولأنّ خبرَ كان لَقب لا مفهوم له إذ لم يقصد به الموصوف بالتّصديق، ذلك لأنّ نفي التّقوى لا ينفي الإيمان عند من يُعتدّ به من علماء الإسلام الّذين فهموا مقصد الإسلام في جامعته حقّ الفهم‏.‏

وإذا أريد بالموالاة المنهي عنها الموالاة التّامة بمعنى الموافقة في الدّين فالأمر بالتّقوى، أي الحذر من الوقوع فيما نُهوا عنه معلّق بكونهم مؤمنين بوجه ظاهر‏.‏ والحاصل أنّ الآية مفسّرة أو مؤوّلة على حسب ما تقدّم في سالفتها ‏{‏ومن يتوّلهم منكم فإنّه منهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 51‏]‏‏.‏

والنّداء إلى الصّلاة هو الأذان، وما عبّر عنه في القرآن إلاّ بالنداء‏.‏ وقد دلّت الآية على أنّ الأذان شيْء معروف، فهي مؤيّدة لمشروعية الأذان وليست مشرّعة له، لأنّه شُرع بالسنّة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأنّهم قوم لا يعقلون‏}‏ تحقير لهم إذ ليس في النداء إلى الصّلاة ما يوجب الاستهزاء؛ فجعْله موجباً للاستهزاء سخافة لعقولهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 60‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏59‏)‏ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ‏(‏60‏)‏‏}‏

هذه الجمل معترضة بين ما تقدّمها وبين قوله‏:‏ ‏{‏وإذا جاؤوكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 61‏]‏‏.‏ ولا يتّضح معنى الآية أتمّ وضوح ويظهرُ الدّاعي إلى أمْرِ الله ورسوله عليه الصّلاة والسلام بأن يواجههم بغليظ القول مع أنّه القائل ‏{‏لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظُلم‏}‏ ‏[‏لنساء‏:‏ 148‏]‏ والقائل ‏{‏ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالّتي هي أحسن إلاّ الّذين ظلموا منهم‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 46‏]‏ إلاّ بعد معرفة سبب نزول هذه الآية، فيعلم أنّهم قد ظَلَموا بطعنهم في الإسلام والمسلمين‏.‏ فذكر الواحدي وابن جرير عن ابن عبّاس قال‏:‏ جاء نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بنُ أخطب، ورافعُ بن أبي رَافع، وعازر، وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، إلى النّبيء فسألوه عمّن يُؤمِن به من الرسل، فلمّا ذكر عيسى ابن مريم قالوا‏:‏ لا نؤمن بمَن آمن بعيسى ولا نعلم ديناً شَرّاً من دينكم وما نعلم أهلَ دين أقلّ حظّاً في الدنيا والآخرة منكم، فأنزل الله ‏{‏قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منّا إلاّ أن آمنا بالله إلى قوله وأضلّ عن سواء السبيل‏}‏‏.‏ فخصّ بهذه المجادلة أهل الكتاب لأنّ الكفّار لا تنهض عليهم حجّتها، وأريد من أهل الكتاب خصوص اليهود كما يُنبئ به الموصولُ وصلتُه في قوله‏:‏ ‏{‏مَن لَعنه اللّهُ وغضب عليه‏}‏ الآية‏.‏ وكانت هذه المجادلة لهم بأنّ ما ينقمونه من المؤمنين في دينهم إذا تأمّلوا لا يجدون إلاّ الإيمانَ بالله وبما عند أهل الكتاب وزيادة الإيمان بما أنزل على محمّد صلى الله عليه وسلم

والاستفهام إنكاري وتعجّبي‏.‏ فالإنكار دلّ عليه الاستثناء، والتعجّبُ دلّ عليه أنّ مفعولات ‏{‏تنقمون‏}‏ كلّها محامد لا يَحقّ نَقْمُها، أي لا تجدون شيئاً تنقمونه غير ما ذكر‏.‏ وكلّ ذلك ليس حقيقاً بأن يُنقم‏.‏ فأمّا الإيمان بالله وما أنزل من قبلُ فظاهر أنّهم رَضُوه لأنفسهم فلا ينقمونه على من ماثَلَهم فيه، وأمّا الإيمان بما أنزل إلى محمّد فكذلك، لأنّ ذلك شيء رضيه المسلمون لأنفسهم وذلك لا يهُمّ أهل الكتاب، وَدَعا الرسول إليه أهل الكتاب فمن شاء منهم فليؤمن ومن شاء فليكفر، فما وجْه النقْم منه‏.‏ وعدّي فعل ‏{‏تنقمون‏}‏ إلى متعلِّقه بحرف ‏(‏من‏)‏، وهي ابتدائية‏.‏ وقد يعدّى بحرف ‏(‏على‏)‏‏.‏

وأمّا عطف قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنّ أكثرهم فاسقون‏}‏ فقرأه جميع القرّاء بفتح همزة ‏(‏أنّ‏)‏ على أنّه معطوف على ‏{‏أن آمنّا بالله‏}‏‏.‏

وقد تحيّر في تأويلها المفسّرون لاقتضاء ظاهرها فسق أكثر المخاطبين مع أنّ ذلك لا يَعترف به أهله، وعلى تقدير اعترافهم به فذلك ليس ممّا يُنْقَم على المُؤمنين إذ لا عمل للمؤمنين فيه، وعلى تقدير أن يكون ممّا يُنقم على المؤمنين فليس نقْمُه عليهم بمحلّ للإنكار والتعَجّب الّذي هو سياق الكلام‏.‏

فذهب المفسّرون في تأويل موْقع هذا المعطوف مذاهب شتّى؛ فقيل‏:‏ هو عطف على متعلّق ‏{‏آمنَّا‏}‏ أي آمنّا بالله، وبفسق أكثركم، أي تَنقِمون منّا مجموعَ هذين الأمرين‏.‏ وهذا يُفيت معنى الإنكار التعجّبي لأنّ اعتقاد المؤمنين كَونَ أكثر المخاطبين فاسقون يجعل المخاطبين معذورين في نقْمه فلا يتعجّب منه ولا ينكر عليهم نقمه، وذلك يخالف السياق من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه فلا يلتئم مع المعطوف عليه، فالجمع بين المتعاطفين حينئذٍ كالجمع بين الضبّ والنّون، فهذا وجه بعيد‏.‏

وقيل‏:‏ هو معطوف على المستثنى، أي ما تنقمون منّا إلاّ إيمانَنا وفسقَ أكثركم، أي تنقمون تخالف حالينا، فهو نَقْمُ حَسَد، ولذلك حسن موقع الإنكار التعجّبي‏.‏ وهذا الوجه ذكره في «الكشاف» وقَدّمَه وهو يحسن لو لم تكن كلمة ‏{‏مِنّا‏}‏ لأنّ اختلاف الحالين لا ينقم من المؤمنين، إذ ليس من فعلهم ولكن من مُصَادفة الزّمان‏.‏

وقيلَ‏:‏ حُذف مجرور دلّ عليه المذْكور، والتّقدير‏:‏ هل تنقمون منّا إلاّ الإيمانَ لأنّكم جائرُون وأكثركم فاسقون، وهذا تخريج على أسلوب غير معهود، إذ لم يعرف حذف المعطوف عليه في مثل هذا‏.‏ وذكر وجهان آخران غير مرضيين‏.‏

والّذي يظهر لي أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏وأنّ أكثركم فاسقون‏}‏ معطوفاً على ‏{‏أنّ آمنّا بالله‏}‏ على ما هو المتبادر ويكون الكلام تهكّماً، أي تنقمون منّا أنّنا آمنّا كإيمانكم وصدّقنا رسلكم وكتبكم، وذلك نَقْمُهُ عجيب وأنّنا آمنّا بما أنزل إلينا وذلك لا يهمّكم‏.‏ وتنقمون منّا أنّ أكثركم فاسقون، أي ونحنُ صالحون، أي هذا نَقْم حَسَد، أي ونحن لا نملك لكم أن تكونوا صالحين‏.‏ فظهرت قرينة التهكّم فصار في الاستفهام إنكار فتعَجُّب فتهكُّم، تولَّد بعضُها عن بعض وكّلها متولّدة من استعمال الاستفهام في مجازاته أو في معان كنائية، وبهذا يكمل الوجه الّذي قدّمه صاحب «الكشاف»‏.‏

ثمّ اطّرد في التهكّم بهم والعَجببِ من أَفَن رأيهم مع تذكيرِهم بمساويهم فقال‏:‏ ‏{‏قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله‏}‏ الخ‏.‏ وشرّ اسم تفضيل، أصله أشَرّ، وهو للزيادة في الصفة، حذفت همزته تخفيفاً لكثرة الاستعمال، والزّيادة تقتضي المشاركة في أصل الوصف فتقتضي أنّ المسلمين لهم حظّ من الشرّ، وإنّما جَرى هذا تهكّماً باليهود لأنّهم قالوا للمسلمين‏:‏ لا دِينَ شَرّ من دينكم، وهو ممّا عبّر عنه بفعل ‏{‏تنقمون‏}‏‏.‏ وهذا من مقابلة الغلظة بالغلظة كما يقال‏:‏ «قُلْتَ فأوْجبْت»‏.‏

والإشارة في قوله ‏{‏من ذلك‏}‏ إلى الإيمان في قوله‏:‏ ‏{‏هل تنقمون منّا إلا أن آمنّا بالله‏}‏ الخ باعتبار أنّه منقوم على سبيللِ الفرض‏.‏ والتّقدير‏:‏ ولمّا كان شأن المنقوم أن يكون شرّاً بني عليه التهكّم في قوله‏:‏ ‏{‏هل أنبّئكم بشرّ من ذلك‏}‏، أي ممّا هو أشدّ شرّاً‏.‏

والمثُوبة مشتقّة من ثَاب يثوب، أي رجع، فهي بوزن مفعولة، سمّي بها الشيء الّذي يثوب به المرء إلى منزله إذا ناله جزاء عن عمللٍ عملَه أو سعْي سعاه، وأصلها مثوب بها، اعتبروا فيها التّأنيث على تأويلها بالعطيّة أو الجائزة ثمّ حذف المتعلّق لكثرة الاستعمال‏.‏

وأصلها مؤذن بأنّها لا تطلق إلاّ على شيء وجودي يعطاه العامل ويحمله معه، فلا تطلق على الضّرْب والشتم لأنّ ذلك ليس ممّا يثُوب به المرء إلى منزله، ولأنّ العرب إنّما يبْنون كلامهم على طباعهم وهم أهل كرم لنزيلهم، فلا يريدون بالمثوبة إلاّ عطية نافعة‏.‏ ويصحّ إطلاقها على الشيء النّفيس وعلى الشيء الحقير من كلّ ما يثوب به المعطَى‏.‏ فَجَعْلها في هذه الآية تمييزاً لاسم الزيادة في الشرّ تهكّم لأنّ اللّغة والغضب والمسخ ليست مثوبات، وذلك كقول عمرو بن كلثوم‏:‏

قَرَيْنَاكم فعجَّلْنَا قِراكم *** قُبَيْلَ الصبح مِرْداة طحونا

وقول عمرو بن معديكرب‏:‏

وخيللٍ قد دَلَفتُ لها بِخيْل *** تَحِيَّةُ بَيْنهم ضرْب وَجِيع

وقوله‏:‏ ‏{‏مَن لَعَنَهُ الله‏}‏ مبْتدأ، أريد به بيان من هو شرّ مثوبة‏.‏ وفيه مضاف مقدّر دلّ عليه السياق‏.‏ وتقديره‏:‏ مثوبةُ مَنْ لَعنهُ الله‏.‏ والعدول عن أن يقال‏:‏ أنتم أو اليهودُ، إلى الإتيان بالموصول للعِلم بالمعنيّ من الصلة، لأنّ اليهود يعلمون أنّ أسلافاً منهم وقعت عليهم اللّعنة والغضب من عهد أنبيائهم، ودلائله ثابتة في التّوراة وكتب أنبيائهم، فالموصول كناية عنهم‏.‏

وأمّا جعلهم قردة وخنازير فقد تقدّم القول في حقيقته في سورة البقرة‏.‏ وأمّا كونهم عبدوا الطاغوت فهو إذ عبدوا الأصنام بعد أن كانوا أهل توحيد فمن ذلك عبادتهم العِجل‏.‏

والطاغوت‏:‏ الأصنام، وتقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يؤمنون بالجبت والطاغوت‏}‏ في سورة النّساء ‏(‏51‏)‏‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏وعبدَ الطاغوتَ‏}‏ بصيغة فعل المضيّ في ‏{‏عبد‏}‏ وبفتح التّاء من ‏{‏الطاغوت‏}‏ على أنّه مفعول ‏{‏عبد‏}‏، وهو معطوف على الصّلة في قوله ‏{‏من لَعنهُ الله‏}‏، أي ومن عبدوا الطاغوت‏.‏ وقرأه حمزة وحْده بفتح العين وضمّ الموحّدة وفتح الدّال وبكسر الفوقيّة من كلمة الطاغوت على أن «عَبُد» جمع عَبْد، وهو جمع سماعي قليل، وهو على هذه القراءة معطوف على ‏{‏القردة والخنازير‏}‏‏.‏

والمقصود من ذكر ذلك هنا تعيير اليهود المجادلين للمسلمين بمساوي أسلافهم إبكاتاً لهم عن التطاول‏.‏ على أنّه إذا كانت تلك شنشنتهم أزمانَ قيام الرسل والنبيئين بين ظهرانَيْهم فهم فيما بعد ذلك أسوأ حالاً وأجدر بكونهم شرّاً، فيكون الكلام من ذمّ القبيل كلّه‏.‏ على أنّ كثيراً من موجبات اللّعنة والغضب والمسخ قد ارتكبتها الأخلاف، على أنّهم شتموا المسلمين بما زعموا أنّه دينهم فيحقّ شتمهم بما نعتقده فيهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 63‏]‏

‏{‏وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ ‏(‏61‏)‏ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏62‏)‏ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ‏(‏63‏)‏‏}‏

عطف ‏{‏وإذا جاؤوكم‏}‏ على قوله‏:‏ ‏{‏وإذا ناديتم إلى الصّلاة اتّخذوها هزؤاً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 58‏]‏ الآية، وخصّ بهذه الصّفات المنافقون من اليهود من جملة الّذين اتّخذوا الدّين هزوءاً ولعباً، فاستُكمِل بذلك التّحذيرُ ممّن هذه صفتهم المعلنين منهم والمنافقين‏.‏ ولا يصحّ عطفه على صفات أهل الكتاب في قوله‏:‏ ‏{‏وجَعَلَ منهم القردة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 60‏]‏ لعدم استقامة المعنى، وبذلك يستغني عن تكلّف وجه لهذا العطف‏.‏

ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به‏}‏ أنّ الإيمان لم يخالط قلوبهم طَرْفَةَ عين، أي هم دخلوا كافرين وخرجوا كذلك، لشدّة قسوة قلوبهم، فالمقصود استغراق الزمنين وما بينهما، لأنّ ذلك هو المتعارف، إذ الحالة إذا تبدّلت استمرّ تبدّلها، ففي ذلك تسجيل الكذب في قولهم‏:‏ آمنّا، والعرب تقول‏:‏ خرج بغير الوَجه الذي دخل به‏.‏

والرؤية في قوله‏:‏ ‏{‏وترى‏}‏ بصرية، أي أنّ حالهم في ذلك بحيث لا يخفى على أحد‏.‏ والخطاب لكّل من يسمع‏.‏

وتقدّم معنى ‏{‏يسارعون‏}‏ عند قوله‏:‏ ‏{‏لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 41‏]‏‏.‏

والإثم‏:‏ المفاسد من قوللٍ وعمللٍ، أريد به هنا الكذب، كما دلّ عليه قوله‏:‏ ‏{‏عن قولهم الإثم‏}‏‏.‏ والعدوانُ‏:‏ الظلم، والمراد به الاعتداء علي المسلمين إن استطاعوه‏.‏

والسحت تقدّم في قوله‏:‏ ‏{‏سمّاعون للكذب أكّالون للسحت‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 42‏]‏‏.‏

و ‏{‏لولا‏}‏ تحْضيض أريد منه التّوبيخ‏.‏

و ‏{‏الربّانيون والأحبار‏}‏ تقدّم بيان معناهما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يحكم بها النبيئون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏ الآية‏.‏

واقتصر في توبيخ الربّانيين على ترك نهيهم عن قول الإثم وأكللِ السحت، ولم يذكر العُدوان إيماء إلى أنّ العدوان يزجرهم عنه المسلمون ولا يلتجئون في زجرهم إلى غيرهم، لأنّ الاعتماد في النصرة على غير المجني عليه، ضعف‏.‏

وجملة ‏{‏لبئس ما كانوا يصنعون‏}‏ مستأنفة، ذمّ لصنيع الربّانيين والأحبار في سكوتهم عن تغيير المنكر، و‏{‏يصنعون‏}‏ بمعنى يعْلمون، وإنّما خولف هنا ما تقدّم فيّ الآية قبلها للتّفنن، وقيل‏:‏ لأنّ ‏{‏يصنعون‏}‏ أدلّ على التمكّن في العمل من ‏{‏يعملون‏}‏‏.‏

واللام للقسم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏64‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏64‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ‏}‏‏.‏

عطف على جملة ‏{‏وإذا جاؤوكم قالوا آمنّا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 61‏]‏، فإنّه لمّا كان أولئك من اليهود والمنافقين انتقل إلى سوء معتقدهم وخبث طويتهم ليظهر فرط التنافي بين معتقدهم ومعتقد أهل الإسلام، وهذا قول اليهود الصرحاء غير المنافقين فلذلك أسند إلى اسم ‏(‏اليهود‏)‏‏.‏

ومعنى ‏{‏يد الله مغلولة‏}‏ الوصف بالبخل في العطاء لأنّ العرب يجعلون العطاء معبَّراً عنه باليد، ويجعلون بَسْط اليد استعارة للبذل والكرم، ويجعلون ضدّ البسط استعارة للبخل فيقولون‏:‏ أمسك يدَه وقبَض يده، ولم نسمع منهم‏:‏ غَلّ يدَه، إلاّ في القرآن كما هنا، وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تجعل يدك مغلولة إلى عُنقك‏}‏ في سورة الإسراء ‏(‏29‏)‏، وهي استعارة قويّة لأنّ مغلول اليد لا يستطيع بسطها في أقلّ الأزمان، فلا جرم أن تكون استعارة لأشدّ البخل والشحّ‏.‏

واليهودُ أهل إيمان ودين فلا يجوز في دينهم وصف الله تعالى بصفات الذمّ‏.‏ فقولهم هذا‏:‏ إمّا أن يكون جرى مجرى التهكّم بالمسلمين إلزاماً لهذا القول الفاسد لهم، كما روي أنّهم قالوا ذلك لمّا كان المسلمون في أوّل زمن الهجرة في شدّة، وفَرَض الرسول عليهم الصدقات، وربّما استعان باليهود في الديات‏.‏ وكما روي أنّهم قالوه لمّا نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من ذا الّذي يُقرض الله قرضاً حسناً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 245‏]‏ فقالوا‏:‏ إنّ ربّ محمّد فقير وبخيل‏.‏ وقد حكي عنهم نظيره في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد سمع الله قول الّذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 181‏]‏‏.‏ ويؤيّد هذا قوله عقبهُ ‏{‏وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً‏}‏‏.‏ وإمّا أن يكونوا قالوه في حالة غضب ويأس؛ فقد روي في سبب نزولها أنّ اليهود نزلت بهم شدّة وأصابتهم مجاعة وجَهد، فقال فنحاص بن عَازُورا هذه المقالة، فإمّا تلقَّفُوها منه على عادة جهل العامّة، وإمّا نسب قول حبرهم إلى جميعهم لأنّهم يقلّدونه ويقتدون به‏.‏

وقد ذمّهم الله تعالى على كلا التقديرين، إذ الأول استخفاف بالإسلام وبدينهم أيضاً، إذ يجب تنزيه الله تعالى عن هذه المقالات، ولو كانت على نيّة إلزام الخصم، والثّاني ظاهر ما فيه من العجرفة والتأفّف من تصرّف الله، فقابل الله قولهم بالدّعاء عليهم‏.‏ وذلك ذمّ على طريقة العَرب‏.‏

وجملة ‏{‏غُلَّت أيديهم‏}‏ معترضة بين جملة ‏{‏وقالت اليهود‏}‏ وبين جملة ‏{‏بل يداه مبسوطتان‏}‏‏.‏ وهي إنشاء سبّ لهم‏.‏ وأخذ لهم من الغُلّ المجازي مُقابِلُه الغلّ الحقيقي في الدعاء على طريقة العرب في انتزاع الدعاء من لفظ سببه أو نحوه، كقول النّبيء صلى الله عليه وسلم «عُصَيَّةُ عَصت الله ورسوله، وأسلم سَلَّمها الله، وغِفَار غَفر الله لها»

وجملة ‏{‏ولعنوا بما قالوا‏}‏ يجوز أن تكون إنشاء دعاء عليهم، ويجوز أن تكون إخباراً بأنّ الله لعنهم لأجل قولهم هذا، نظير ما في قوله تعالى‏:‏

‏{‏وإن يَدْعون إلاّ شيطاناً مريداً لعنه الله‏}‏ في سورة النّساء ‏(‏117، 118‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ بل يداه مبسوطتان‏}‏ نقض لكلامهم وإثبات سعة فضله تعالى‏.‏ وبسط اليدين تمثيل للعطاء، وهو يتضمّن تشبيه الإنعام بأشياء تعطى باليدين‏.‏

وذكر اليد هنا بطريقة التثنية لزيادة المبالغة في الجُود، وإلاّ فاليَدُ في حال الاستعارة للجود أو للبُخل لا يقصد منها مفرد ولا عدد، فالتثنية مستعملة في مطلق التّكرير، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُم ارجع البصر كرّتين‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 4‏]‏، وقولهم‏:‏ «لبّيك وسعديك»‏.‏ وقال الشّاعر ‏(‏أنشده في «الكشاف» ولم يعْزه هو ولا شارحوه‏)‏‏:‏

جَادَ الْحِمَى بَسِطُ اليدَيْن بوابلٍ *** شكرَتْ نَدَاه تلاعُه ووهَاده

وجملة ‏{‏ينفق كيف يشاء‏}‏ بيان لاستعارة ‏{‏يداه مبسوطتان‏}‏‏.‏ و‏{‏كيف‏}‏ اسم دالّ على الحالة وهو مبني في محلّ نصب على الحال‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏كيف يشاء‏}‏ زيادة إشارة إلى أن تقتيره الرزق على بعض عبيده لمصلحة، مثل العقاب على كفران النعمة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولو بَسط الله الرزق لعباده لبَغَوا في الأرض‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 27‏]‏‏.‏

‏{‏وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طغيانا وَكُفْراً‏}‏‏.‏

عطف على جملة ‏{‏وقالت اليهود يد الله مغلولة‏}‏‏.‏ وقع معترضاً بين الردّ عليهم بجملة ‏{‏بل يداه مبسوطتان‏}‏ وبين جملة ‏{‏وألقيْنا بينهم العداوة والبغضاء‏}‏، وهذا بيان للسبب الّذي بعثهم على تلك المقالة الشنيعة، أي أعماهم الحسد فزادهم طغياناً وكفراً، وفي هذا إعداد للرسول عليه الصلاة والسلام لأخذ الحذر منهم، وتسلية له بأنّ فَرط حنقهم هو الّذي أنطقهم بذلك القول الفظيع‏.‏

‏{‏وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة‏}‏‏.‏

عطف على جملة ‏{‏ولعنوا بما قالوا‏}‏ عطفَ الخبر على الإنشاء على أحد الوجهين فيه‏.‏ وفي هذا الخبر الإيماء إلى أنّ الله عاقبهم في الدّنيا على بغضهم المسلمين بأن ألقَى البغضاء بين بعضهم وبعض، فهو جزاء من جنس العمل، وهو تسلية للرّسول صلى الله عليه وسلم أن لا يهمّه أمر عداوتهم له، فإنّ البغضاء سجيتهم حتّى بين أقوامهم وأنّ هذا الوصف دائم لهم شأنَ الأوصاف الّتي عمي أصحابها عن مداواتها بالتخلّق الحسن‏.‏ وتقدّم القول في نظيره آنفاً‏.‏

‏{‏كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله وَيَسْعَوْنَ فِى الارض فَسَاداً والله لاَ يُحِبُّ المفسدين‏}‏‏.‏

تركيب ‏{‏أوقدوا ناراً للحرب أطفاها الله‏}‏ تمثيل، شُبّه به حال التهيّؤ للحرب والاستعداد لها والحَزَامةِ في أمرها، بحال من يُوقد النّار لحاجة بها فتنطفئ، فإنّه شاعت استعارات معاني التسعير والحَمْي والنّار ونحوها للحرب، ومنه حَمِيَ الوَطيس، وفلان مِسْعَرُ حرب، ومِحَشّ حرب، فقوله‏:‏ ‏{‏أوقدوا ناراً للحرب‏}‏ كذلك، ولا نارَ في الحقيقة، إذ لم يُؤْثر عن العرب أنّ لهم ناراً تختصّ بالحرب تُعَدّ في نِيرَان العرب الّتي يُوقِدُونها لأغراض‏.‏ وقد وهم من ظنّها حقيقة، ونبَّه المحقّقون على وهمه‏.‏

وشبّه حال انحلال عزمهم أو انهزامُهم وسرعةُ ارتدادهم عنها، وإحجامُهم عن مصابحة أعدائهم، بحال من انطفأت ناره الّتي أوقدها‏.‏

ومن بداعة هذا التمثيل أنّه صالحٌ لأن يعتبر فيه جَمْعُه وتفريقه، بأن يُجعل تمثيلاً واحداً لِحالة مجموعة أو تمثيلين لحالتين، وقبول التمثيل للتفريق أتمّ بلاغة‏.‏ والمعنى أنّهم لا يلتئم لهم أمر حرب ولا يستطيعون نكاية عدوّ، ولو حاربوا أو حُوربوا انهزموا، فيكون معنى الآية على هذا كقوله‏:‏ ‏{‏ضُرِبت عليهم الذلّة أينَما ثُقِفوا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 112‏]‏‏.‏

وأمّا ما يروى أنّ مَعَدّا كلّها لمّا حاربوا مذبح يوم ‏(‏خَزَازَى‏)‏، وسيادتُهم لِتغلب وقائدُهم كُليب، أمر كليب أن يوقدوا ناراً على جبل خَزَازَى ليهتدي بها الجيش لكثرته، وجعلوا العلامة بينهم أنّهم إذا دهمتهم جيوش مذحج أوقدوا نارين على ‏(‏خَزَازَى‏)‏، فلمّا دهمتهم مَذحج أوقدوا النّار فتجمّعت مَعدّ كلّها إلى ساحة القتال وانهزمت مَذحج‏.‏ وهذا الّذي أشار إليه عمرو بن كلثوم بقوله‏:‏

وَنَحْنُ غداة أوقِدَ في خَزازَى *** رَفَدْنَا فَوْقَ رفْد الرافِدِينَا

فتلك شعار خاصّ تواضعوا عليه يومئذٍ فلا يعدّ عادة في جميع الحروب‏.‏ وحيث لا تعْرف نار للحرب تعيّن الحَمْل على التمثيل، ولذلك أجمع عليه المفسّرون في هذه الآية فليس الكلامُ بحقيقة ولا كناية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ويسعون في الأرض فساداً‏}‏ القولُ فيه كالقول في نظيره المتقدّم آنفاً عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 33‏]‏‏.‏